Join Nostr
2026-07-30 19:04:46 UTC

محمد الضيف on Nostr: تأمل قول الله تعالى: ﴿فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ...

تأمل قول الله تعالى: ﴿فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾

ويتعلم يقينا أن الله يطلب منك ألا تجعل كثرة المخالفين حجةً على بطلان ما أنت عليه، وألا تجعل ارتفاع أصواتهم سببًا في ضعف يقينك؛ فقد يشيع الباطل حتى يبدو مألوفًا، ويبقى الحق غريبًا لا يثبت عليه إلا من عرفه واستمسك به.
لهذا جاء الخطاب القرآني حاسمًا: ﴿فلا يصدنك عنها﴾. فالصد قد يبدأ بمنعٍ ظاهر، وقد يبدأ بكلمة ساخرة، أو ضغط اجتماعي، أو تخويف من العزلة، أو تزيينٍ يجعل الثابت على الحق يبدو متشددًا، والمتنازل عنه مرنًا وعاقلًا. وقد يظل المرء ثابتًا أمام الحجة، ثم يضعف أمام كثرة الوجوه المخالفة، كأن اجتماع الناس على الشيء يحوله إلى حق، مع أن الحق لا يُعرف بعدد أتباعه، وإنما بدليله.
وقد أشار البقاعي في تفسيره لهذه الآية إلى أن طمع الكافر في صد المؤمن قد ينشأ من رخاوة المؤمن في دينه، ولين شكيمته؛ لأنه متى رأى منه ترددًا، أو خوفًا من اللوم، أو استعدادًا للتنازل، ازداد جرأةً عليه. أما إذا وجد قلبًا ثابتًا، ولسانًا واضحًا، ونفسًا تعرف ما تؤمن به، انقطع كثير من طمعه، وإن لم ينقطع أذاه.
وعليه؛ كن شديد الشكيمة في الحق، صلبا أمام الفتنة، واضحا عند الاشتباه، ثابتا حين تتغير المواقف. وليكن معجمك صريحًا لا تميع فيه المعاني، فلا تسمي الانحراف حرية، ولا التنازل حكمة، ولا الخوف مصلحة، ولا اتباع الهوى اجتهادًا. فإن اضطراب الألفاظ يسبق غالبًا اضطراب المواقف، ومن استحيا من تسمية الحق باسمه، أو الباطل باسمه، أوشك أن يلتبس عليه الطريق.
ثم تأمل خاتمة الآية: ﴿واتبع هواه فتردى﴾. فقد كشفت أصل الصد عن الحق؛ إنه ليس ضعف الدليل، وإنما غلبة الهوى. فمن جعل هواه قائدًا، لن تكفيه البراهين؛ لأنه لا يبحث عما هو حق، وإنما عما يوافق رغبته. ولذلك كانت مقاومة الصد عن سبيل الله تبدأ من داخل النفس، من إخضاع الهوى للوحي، وتقديم رضا الله على رضا الناس.
لا تستوحش من قلة السالكين، ولا تغتر بكثرة المغرضين، ولا تجعل ضغط القطيع ينتزع منك يقينًا بناه القرآن في قلبك. اثبت، ولكن بأدب؛ وكن قويًا بلا ظلم؛ واضحًا بلا كبر. فالثبات الحق ليس صخبًا ولا خصومةً دائمة، وإنما قلب عرف طريقه، فلم تستطع كثرة الأصوات أن ترده عنه.