محمد الضيف on Nostr: لأنفسكم عليكم حقٌّ عظيم، ومن أعظم حقوقها ألا ...
لأنفسكم عليكم حقٌّ عظيم، ومن أعظم حقوقها ألا تحرموها من بابٍ فتحه الله لعباده في كل حين، وهو باب الدعاء. فارفعوا إلى الله كبار آمالكم قبل صغارها، ولا تستصغروا مطلوبًا إذا كان الكريم هو المسؤول. فإن الذي بيده خزائن السماوات والأرض لا يعجزه شيء، ولا ينقص عطاؤه كثرة السائلين، ولا يمل من إلحاح الملحين.
ادعوه بأسمائه الحسنى، وتوسلوا إليه بصفاته العلى، كما علَّم عباده: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. فإذا طلبتم الرحمة فاسألوه وهو الرحمن الرحيم، وإذا التمستم المغفرة فاسألوه وهو الغفور الغفار، وإذا ضاقت بكم السبل فالجؤوا إلى الفتاح، وإذا أثقلتكم الهموم فافزعوا إلى اللطيف، وإذا أحاطت بكم الكروب فقولوا: يا مجيب، يا قريب، يا كريم.
وتبتّلوا إليه سبحانه بقلوبٍ منقطعةٍ عما سواه، فإن حقيقة الدعاء ليست حركة اللسان، وإنما افتقار القلب. وما كان الله ليرد قلبًا علم منه صدق اللجأ، ولا نفسًا أقبلت عليه وهي تعلم أنه لا ملجأ منه إلا إليه.
وتعلقوا بالدعاء تعلق الغريق بوسيلة النجاة، لا لأنه آخر الأسباب، بل لأنه أعظمها. وابكوا بين يديه دموع الصادقين، وناجوه مناجاة العبد الضعيف الذي انقطعت به الأسباب، فلم يبق له إلا باب مولاه. ففي لحظات الافتقار الصادق تنكشف للعبد معانٍ من القرب لا يجدها في ساعات الغفلة والرخاء.
ولا تستعجلوا الإجابة، فإن من أعظم آداب الدعاء دوام الإقبال على الله، لا مجرد انتظار تحقق المطلوب. فقد يؤخر الله العطاء لحكمة، ويبدل السؤال بما هو خير، ويدخر للعبد من الأجر ما يفوق ما طلبه. والمؤمن لا يخرج من دعائه خاسرًا؛ فإما أن يعجل الله له مطلوبه، أو يدفع عنه من السوء مثله، أو يدخر له ثوابه عنده.
لا تبرحوا محراب الدعاء حتى يمتلئ القلب يقينًا بكرم الله، وحسن الظن بوعده، والرضا بحكمته. وعليك أن توقن أنه سمع دعاءك، وأنه أرحم بك من نفسك، وأنه سيختار لك ما هو خير، في الوقت الذي يعلمه، وعلى الوجه الذي تقتضيه حكمته ورحمته. فمن عرف ربه بهذه المعرفة، خرج من دعائه مطمئن القلب، سواء رأى الإجابة بعينه اليوم، أم ادخرها الله له إلى يوم يلقاه.
Published at
2026-07-30 19:05:00 UTCEvent JSON
{
"id": "1060c7acad4174612752c858771d375463b3ccfccc42cbb5df20f9a5faa7778d",
"pubkey": "ebd9efd561c6ec25ab0ff09949e58edfd8e6d723a910140381e9b3eb0571fb00",
"created_at": 1785438300,
"kind": 1,
"tags": [
[
"proxy",
"https://bassam.social/posts/92cdf581-bedf-45d3-80d4-07d7c114df25",
"activitypub"
],
[
"client",
"Mostr",
"31990:6be38f8c63df7dbf84db7ec4a6e6fbbd8d19dca3b980efad18585c46f04b26f9:mostr",
"wss://relay.ditto.pub"
]
],
"content": "لأنفسكم عليكم حقٌّ عظيم، ومن أعظم حقوقها ألا تحرموها من بابٍ فتحه الله لعباده في كل حين، وهو باب الدعاء. فارفعوا إلى الله كبار آمالكم قبل صغارها، ولا تستصغروا مطلوبًا إذا كان الكريم هو المسؤول. فإن الذي بيده خزائن السماوات والأرض لا يعجزه شيء، ولا ينقص عطاؤه كثرة السائلين، ولا يمل من إلحاح الملحين.\nادعوه بأسمائه الحسنى، وتوسلوا إليه بصفاته العلى، كما علَّم عباده: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. فإذا طلبتم الرحمة فاسألوه وهو الرحمن الرحيم، وإذا التمستم المغفرة فاسألوه وهو الغفور الغفار، وإذا ضاقت بكم السبل فالجؤوا إلى الفتاح، وإذا أثقلتكم الهموم فافزعوا إلى اللطيف، وإذا أحاطت بكم الكروب فقولوا: يا مجيب، يا قريب، يا كريم.\nوتبتّلوا إليه سبحانه بقلوبٍ منقطعةٍ عما سواه، فإن حقيقة الدعاء ليست حركة اللسان، وإنما افتقار القلب. وما كان الله ليرد قلبًا علم منه صدق اللجأ، ولا نفسًا أقبلت عليه وهي تعلم أنه لا ملجأ منه إلا إليه.\nوتعلقوا بالدعاء تعلق الغريق بوسيلة النجاة، لا لأنه آخر الأسباب، بل لأنه أعظمها. وابكوا بين يديه دموع الصادقين، وناجوه مناجاة العبد الضعيف الذي انقطعت به الأسباب، فلم يبق له إلا باب مولاه. ففي لحظات الافتقار الصادق تنكشف للعبد معانٍ من القرب لا يجدها في ساعات الغفلة والرخاء.\nولا تستعجلوا الإجابة، فإن من أعظم آداب الدعاء دوام الإقبال على الله، لا مجرد انتظار تحقق المطلوب. فقد يؤخر الله العطاء لحكمة، ويبدل السؤال بما هو خير، ويدخر للعبد من الأجر ما يفوق ما طلبه. والمؤمن لا يخرج من دعائه خاسرًا؛ فإما أن يعجل الله له مطلوبه، أو يدفع عنه من السوء مثله، أو يدخر له ثوابه عنده.\nلا تبرحوا محراب الدعاء حتى يمتلئ القلب يقينًا بكرم الله، وحسن الظن بوعده، والرضا بحكمته. وعليك أن توقن أنه سمع دعاءك، وأنه أرحم بك من نفسك، وأنه سيختار لك ما هو خير، في الوقت الذي يعلمه، وعلى الوجه الذي تقتضيه حكمته ورحمته. فمن عرف ربه بهذه المعرفة، خرج من دعائه مطمئن القلب، سواء رأى الإجابة بعينه اليوم، أم ادخرها الله له إلى يوم يلقاه.",
"sig": "b3f0ec65e4da247ba09b450e5f1d8b92b37bcf37f00e5e7550c59fffe598a4b811ac7db8b2d59e5326bfc34e49e6441afbdb2ba30671c04ecbfe331fd2df47c7"
}